ابن كثير

521

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والصحيح أن الكرسي غير العرش ، والعرش أكبر منه ، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار ، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد اللّه بن خليفة عن عمر في ذلك ، وعندي في صحته نظر ، واللّه أعلم . وقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ، وما فيهما ، ومن بينهما ، بل ذلك سهل عليه ، يسير لديه ، وهو القائم على كل نفس بما كسبت ، الرقيب على جميع الأشياء ، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء ، والأشياء كلها حقيرة بين يديه ، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهو القاهر لكل شيء ، الحسيب على كل شيء ، الرقيب العلي العظيم ، لا إله غيره ، ولا رب سواه ، فقوله : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ كقوله : الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ [ الرعد : 9 ] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح ، إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 256 ] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256 ) يقول تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام ، فإنه بيّن واضح ، جلي دلائله وبراهينه ، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ، بل من هداه اللّه للإسلام ، وشرح صدره ، ونور بصيرته ، دخل فيه علي بينة ، ومن أعمى اللّه قلبه وختم على سمعه وبصره ، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا ، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار ، وإن كان حكمها عاما . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانت المرأة [ من الأنصار ] « 2 » تكون مقلاتا « 3 » ، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده ، فلما أجليت بنو النضير ، كان فيهم من أبناء الأنصار ، فقالوا : لا ندع أبناءنا ، فأنزل اللّه عز وجل لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ، ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه . وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به ، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم ، أنها نزلت في ذلك . وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد ، عن ابن عباس قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال : نزلت في رجل من الأنصار من

--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 15 . ( 2 ) الزيادة من الطبري . ( 3 ) المقلات : التي لا يعيش لها ولد .